ابن الجوزي

179

صيد الخاطر

ما وقع اهمال أصلا . وإنما يقدم العاصي ويؤخر التوبة لطول الامل ، وتبادر الشهوات وتنسى الإنابة لطول الأمل ، وان لم تستطع قصر الامل ، فاعمل عمل قصير الامل ، ولا تمس حتى تنظر فيما مضى من يومك ، فإن رأيت زلة فامحها بتوبة ، أو خرقا فارقعه باستغفار ، وإذا أصبحت فتأمل ما مضى في ليلك ، وإياك والتسويف فإنه أكبر جنود إبليس : وخذ لك منك على مهلة * ومقبل عيشك لم يدبر وخف هجمة لا تقيل العثار * وتطوي الورود على المصدر ومثل لنفسك أي الرعيل * يضمك في حلبة المحشر ثم صوّر لنفسك قصر العمر ، وكثرة الاشغال ، وقوة الندم على التفريط عند الموت ، وطول الحسرة على البدار بعد الفوت . وصوّر ثواب الكاملين وأنت ناقص ، والمجتهدين وأنت متكاسل ، ولا تخل نفسك من موعظة تسمعها ، وفكرة تحادثها بها ، فإن النفس كالفرس المتشيطن إن أهملت لجامه لم تأمن أن يرمي بك ، وقد واللّه دنستك أهواؤك ، وضيعت عمرك . فالبدار البدار في الصيانة ، قبل تلف الباقي بالصبابة . فكم تعرقل في فخ الهوى جناح جارم « 1 » ، وكم وقع في بئر بوار مخمور . ولا حول ولا قوة إلا باللّه . 133 - حذار من المعاصي الحذر الحذر من المعاصي ، فإن عواقبها سيئة . وكم من معصية لا يزال صاحبها في هبوط أبدا مع تعثير أقدامه ، وشدة فقره ، وحسراته على ما يفوته من الدنيا ، وا حسرة لمن نالها ، فلو قارب زمان جزائه على قبيحة الذي ارتكبه ، كان اعتراضه على القدر في فوات أغراضه بعيد العذاب جديدا ، فوا أسفا لمعاقب لا يحس بعقوبته ، وآه من عقاب يتأخر حتى ينسى سببه ، أو ليس ابن سيرين يقول : عيّرت رجلا بالفقر فافتقرت بعد أربعين سنة . وابن الجلّاء يقول : نظرت إلى شاب مستحسن فنسيت القرآن بعد أربعين سنة .

--> ( 1 ) الجارم المحرم .